الفريق حقوقي صديق عبد الرحمن محمد بنقو لـ«صوت العدالة»:
الترتيبات الأمنية أساس الاستقرار.. والسلام المستدام يبدأ من معالجة جذور الأزمة
حوار – آمال حسن
في خضم الحرب التي تعصف بالسودان، تتقاطع على طاولة واحدة ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد والمجتمع، بينما تتزايد الحاجة إلى رؤية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها وبناء مؤسسات قادرة على حماية الدولة والمواطن.
ويأتي ملف الترتيبات الأمنية في مقدمة القضايا التي ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة السودانية، باعتباره مدخلاً لتنظيم العلاقة بين المكونات العسكرية والأمنية، ومعالجة قضايا الدمج وإعادة الهيكلة، وتحديد الاختصاصات، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، وصولاً إلى بناء مؤسسة وطنية مهنية.
وفي هذا الحوار، تتناول «صوت العدالة» مع الفريق حقوقي صديق عبد الرحمن محمد بنقو، رئيس الدائرة القانونية بالقوة المشتركة والرئيس المناوب للجنة العسكرية العليا المشتركة للترتيبات الأمنية، جملة من الملفات المرتبطة بالمرحلة الراهنة، من المشهد السياسي والعسكري والحل السياسي، إلى مستقبل القوات المشتركة، وقضايا دارفور وكردفان، وحماية المدنيين، والعدالة والمصالحة، وأولويات بناء الدولة.
📌 من القانون إلى قيادة الملفات الأمنية
ينحدر الفريق حقوقي صديق عبد الرحمن محمد بنقو من مدينة الفاشر، حيث وُلد ونشأ، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم لمواصلة تحصيله الأكاديمي، ويتخرج في كلية القانون بجامعة الخرطوم.
بدأ مسيرته المهنية مستشاراً قانونياً، قبل أن يتولى عدداً من المسؤوليات المرتبطة بالعمل القانوني والعسكري، مستفيداً من خلفيته القانونية في الملفات المتصلة بالترتيبات الأمنية وسيادة القانون. ويشغل حالياً منصب رئيس الدائرة القانونية بالقوة المشتركة، إلى جانب منصبه الرئيس المناوب للجنة العسكرية العليا المشتركة للترتيبات الأمنية.
💬 نص الحوار
صوت العدالة: الفريق بنقو.. كيف تقرأون المشهد السياسي والعسكري الراهن في السودان؟
الفريق بنقو: السودان يمر بمرحلة بالغة التعقيد، نتيجة تداخل عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية وإنسانية واجتماعية. ولذلك فإن قراءة المشهد لا ينبغي أن تقتصر على التطورات الميدانية، وإنما يجب أن تشمل مجمل العوامل التي أسهمت في الأزمة. نحن بحاجة إلى رؤية وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتحافظ على مؤسسات الدولة، وتعزز سيادة القانون، وتعمل على تهيئة الظروف المناسبة للوصول إلى السلام والاستقرار.
صوت العدالة: مع استمرار الحرب وتشعب مساراتها، هل لا يزال الحل السياسي ممكناً؟
الفريق بنقو: الحل السياسي يظل ضرورياً لمعالجة جذور الأزمة، لأن الحرب، مهما طال أمدها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحلول السياسية المستدامة. وقف القتال خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده. المطلوب هو الوصول إلى تفاهمات تعالج أسباب النزاع، وتفتح الطريق أمام بناء دولة تستوعب مختلف مكونات المجتمع السوداني.
صوت العدالة: الترتيبات الأمنية تُعد من أكثر الملفات حساسية.. ما أهميتها في مسار السلام؟
الفريق بنقو: الترتيبات الأمنية تمثل جزءاً أساسياً من عملية السلام، لأنها تتعلق بإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتحديد المهام والاختصاصات، ومعالجة قضايا الدمج وإعادة الهيكلة. والغاية النهائية هي الوصول إلى مؤسسة وطنية مهنية تعمل وفق القانون والدستور، وتضع حماية الدولة والمواطن في مقدمة مهامها.
صوت العدالة: ما أبرز التحديات أمام بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة؟
الفريق بنقو: التحديات متعددة، من بينها كيفية إدارة الدمج وإعادة الهيكلة بصورة مهنية وقانونية، بما يحفظ الحقوق ويضمن الانضباط المؤسسي. كما أن بناء مؤسسة عسكرية وطنية يتطلب رؤية واضحة، وإرادة سياسية، ومعايير مهنية، إلى جانب إبعاد المؤسسة العسكرية عن الاستقطاب السياسي.
صوت العدالة: ما الدور الذي تضطلع به القوات المشتركة حالياً؟ وما مستقبلها؟
الفريق بنقو: القوات المشتركة تضطلع بمهام مرتبطة بحماية المواطنين وحفظ الأمن والاستقرار، وينبغي أن تكون هذه المهام محكومة بالقانون والضوابط المنظمة للعمل العسكري والأمني. أما مستقبلها، فينبغي أن يكون جزءاً من الرؤية الشاملة للترتيبات الأمنية، بما يضمن وضوح المهام والاختصاصات وتكامل الأدوار داخل المنظومة الأمنية الوطنية.
صوت العدالة: دارفور وكردفان من أكثر المناطق تأثراً بالنزاعات.. كيف يمكن معالجة جذور الصراع فيهما؟
الفريق بنقو: لا يمكن معالجة الصراع في دارفور وكردفان من خلال المعالجة الأمنية وحدها، لأن هناك عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة. القضايا المتعلقة بالتنمية والخدمات، وتوزيع الموارد، والمشاركة السياسية، وإدارة التنوع، كلها تحتاج إلى معالجة جادة ضمن مشروع وطني شامل للسلام.
صوت العدالة: ما الضمانات المطلوبة حتى لا يتحول السلام إلى هدنة مؤقتة؟
الفريق بنقو: السلام المستدام يحتاج إلى معالجة الأسباب التي أدت إلى الحرب، وليس فقط إيقاف القتال. كما يحتاج إلى ضمانات لتنفيذ الاتفاقات، ومؤسسات تحمي السلام، ومشاركة واسعة، إلى جانب معالجة قضايا العدالة والمصالحة والتنمية وعودة النازحين واللاجئين.
صوت العدالة: حماية المدنيين تظل أولوية في ظل الحرب.. كيف يمكن تعزيزها؟
الفريق بنقو: حماية المدنيين يجب أن تكون أولوية، وحياة المواطن وسلامته يجب أن تحظيا بالحماية في جميع الظروف. كما يجب الالتزام بالقواعد القانونية ذات الصلة، وتوفير بيئة تسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، والعمل على تقليل آثار الحرب على السكان.
صوت العدالة: كيف تنظرون إلى العدالة والمساءلة في مرحلة ما بعد الصراع؟
الفريق بنقو: العدالة يجب أن تقوم على القانون والأدلة والمسؤولية الفردية، وألا تتحول إلى انتقام جماعي. ومن تثبت مسؤوليته عن ارتكاب جرائم يجب أن يخضع للمساءلة وفق إجراءات قانونية عادلة، وفي المقابل يجب فتح المجال أمام المصالحات المجتمعية ومعالجة آثار الحرب.
صوت العدالة: ما الأولويات التي ينبغي أن تتصدر مرحلة إعادة بناء الدولة؟
الفريق بنقو: إعادة بناء مؤسسات الدولة ستكون من أهم الأولويات، إلى جانب إعادة الخدمات الأساسية وتأهيل البنية التحتية. كما يجب تهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وكريمة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية، ودعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
صوت العدالة: كيف يمكن بناء دولة تمنع تكرار الحرب؟
الفريق بنقو: نحتاج إلى دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون والعدالة، وتحترم التنوع السوداني. كما يجب معالجة الاختلالات المتعلقة بالسلطة والثروة والخدمات، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات بالوسائل السلمية.
صوت العدالة: ما الدور الذي يجب أن يضطلع به الإعلام في هذه المرحلة؟
الفريق بنقو: الإعلام يتحمل مسؤولية كبيرة، خاصة في أوقات النزاعات. لذلك يجب أن يلتزم بالدقة والمهنية والتحقق، وأن يبتعد عن خطاب الكراهية والتحريض. كما ينبغي أن يسهم في نشر ثقافة الحوار والتعايش، وأن يكون مساحة للنقاش المسؤول حول قضايا السلام وبناء الدولة.
صوت العدالة: كلمة أخيرة.. ماذا تقولون للقوى السياسية والعسكرية وللشعب السوداني؟
الفريق بنقو: السودان يحتاج إلى إرادة وطنية تتجاوز الخلافات والحسابات الضيقة، وتضع مصلحة المواطن والدولة فوق كل اعتبار. علينا أن نعمل من أجل بناء دولة يسودها القانون، وتحترم التنوع، وتحفظ الحقوق، وتوفر الأمن والاستقرار لجميع المواطنين. إن إنهاء الحرب ليس نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة عنوانها بناء الدولة، وترسيخ السلام، وإعادة الثقة، وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً للسودان.



إرسال التعليق